علي بن أحمد المهائمي
512
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الذي كان في الحياة الدنيا ، والدليل عليه قوله تعالى : ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) [ هود : 123 ] ، وهو من عالم الأمر . ثم استشعر سؤالا بأنه لو أخذه إليه لاجتمعا في الإمكان بلا تمييز ، مع أنه لا بدّ من التمييز بين القديم والحادث ، وإلا لزم انقلاب أحدهما إلى الآخر ، وهو محال ؟ فأجاب عنه بقوله : ( فإذا أخذه إليه ) ميزه عن ذاته بأن ( سوّى له مركبا ) من عالم الأركان والمثال يتعلق به ( غير هذا المركب ) ، وإن جاز إعادة المعدوم ، وقلنا : بأنه يعطي هذا البدن بعينه في القيمة ؛ لأنه ( من جنس الدار التي ينتقل إليها ، وهي دار البقاء ) ، فلا يعود تأليفه القابل للزوال بعينه ، بل يكون تأليفه لازم البقاء ؛ ( لوجود الاعتدال ) في أجزائه على الدوام ، وهو الموجب للتأليف ولتعلق الروح ، ( فلا يموت أبدا أي : لا تتفرق أجزاؤه ) الروحانية عن الجسمانية ، وإن تفرقت بعض أجزائه الجسمانية عن البعض في حق أهل النار ، وكذا في حق أهل الجنة ؛ لخروج العرق عند الهضم منهم . [ وأمّا أهل النّار فمآلهم إلى النّعيم ، ولكن في النّار إذ لا بدّ لصورة النّار بعد انتهاء مدّة العقاب أن تكون بردا وسلاما على من فيها ، وهذا نعيمهم ، فنعيم أهل النّار بعد استيفاء الحقوق نعيم خليل اللّه حين ألقي في النّار ، فإنّه عليه السّلام تعذّب برؤيتها وبما تعوّد في علمه وتقرّر من أنّها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان وما علم مراد اللّه فيها ومنها في حقّه ، فبعد وجود هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود الصّورة اللّونيّة في حقّه وهي نار في عيون النّاس . فالشّيء الواحد يتنوّع في عيون النّاظرين : هكذا هو التّجلّي الإلهيّ ، فإن شئت قلت إنّ اللّه تجلّى مثل هذا الأمر ، وإن شئت قلت : إنّ العالم في النّظر إليه وفيه مثل الحقّ في التّجلّي ، فيتنوّع في عين النّاظر بحسب مزاج النّاظر أو يتنوّع مزاج النّاظر لتنوّع التّجلّي وكلّ هذا سائغ في الحقائق ، فلو أن الميّت والمقتول أيّ ميّت كان ، أو أيّ ، مقتول كان إذا مات أو قتل لا يرجع إلى اللّه ، لم يقض اللّه بموت أحد ولا شرّع قتله ، فالكلّ في قبضته فلا فقدان في حقّه ، فشرع القتل وحكم بالموت لعلمه بأنّ عبده لا يفوته ، فهو راجع إليه ، على أن قوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] ، أي فيه يقع التّصرّف ، وهو المتصرّف ، فما خرج عنه شيء لم يكن عينه ، بل هويّته هو عين ذلك الشّيء ، وهو الّذي يعطيه الكشف في قوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] ، ( والتّوفيق من اللّه تعالى ) ] . ثم استشعر سؤالا بأنه لو كان في الإنسان جزء ذاكر لا محالة لحصل له نعيم لا محالة ،